التاريخ: ٣ نوفمبر ١٩٨٠
03-11-1980
الصحيفة: الوطن
فاروق عبد العزيز
أمام التلفزيون
الضمير الغربي يعتذر اليوم لـ :
الارض المحترقة
في برنامج « نادي السينما » مساء اليوم ستلتقي مع الضمير الغربي في شعور جارف بالذنب – وهو يقدم اعتذاراته بحرارة الى الارض المحترقة والى العالم الثالث برمته – وسوف يقدم الاعتذار – الفيلم الذي توج مرحلة هامة من مراحل السينما السياسية المخرج الايطالي المحترم جيلو بونتيكورفو يسانده في ذلك الممثل الذي أعلن التزامه « بأداء الادوار ذات المضمون الاجتماعي المؤثر » منذ ذلك الحين – مارلون براندو .
السير ويليام ووكر وسانشيز ( الرئيس الشكلي ) يخططان .
سنسهر مساء اليوم في الارض المحترقة التي نوالي ونكتشف ونساند على احراقها جيلا بعد جيل – ارباب الاستعمار البرتغالي – الاسباني – البريطاني منذ بدأت اوسع حملات النهب المنظم في تاريخ الانسان من نهاية القرن الثامن عشر فيما وصف في كتب الغرب « بالكشوف الجغرافية » !
« كيمادا » هي الارض المحترقة كان شعار الاستعماريين يقول : « احرق شجرة تقتل ثائرا » وقد كان ذلك هو الوضع السائد لاجيال متعاقبة وأتى على كيمادا ( وهي رمز لدول العالم الثالث كلها ) حين من الدهر قرر فيه المستعمرون الجدد بارشاد الخبير النشيط والمستشار الامبريالي – وليام ووكر ومارلون براندو ) ان يجربوا اسلوبا آخر : صناعة رؤساء مهنيين وثوار مستأنسين او بعبارة اخرى خلق عملاء .
وقرر فلاح امي اسمه خوسيه دولوريس رفض اللعبة بعد ان ادرك ابعادها ووقع فريسة لها منذ البداية وثار العبيد فمن الذي دفع الثمن ؟ مرحليا العبيد … ولكن صنيعة الاستعمار شيء « كيمادا » الذي نراه مساء اليوم يعتبر بذاته تجربة فريدة ( أولد جماع تجارب – في تاريخ السينما السياسية الغربية فقبل عام ١٩٦٩ كانت السينما الغربية تعامل شعوب العالم الثالث والهنود الحمر ومن اتفق على تسميتهم بالاقليات معاملة سلطوية علوية تتظاهر بالامومة ولكنها تفشل في ان تخفي نزعتها الاستعمارية الواضحة بعد عام ١٩٦٩ – ذلك العام الذي يؤرخ به لظهور السينما السياسية الحقيقية – انقلبت الصورة . والفضل في ذلك يعود لرجل واحد ولثورة واحدة ، الرجل هو مخرج فيلم « كيمادا » جيلو بونتيكورفو والثورة هي ثورة الجزائر المجيدة
التي ساندته كي ينتج أول افلام التيار الجديد في السينما الغربية فيلم « معركة الجزائر » الذي فتح باب الاعتراف أمام الضمير الغربي المعاصر .. الاعتراف بالذنب التاريخي في حق الشعوب المستعمرة .
ونجح الفيلم عالميا بفوزه بالجائزة الكبرى في مهرجان فينيسيا عام ١٩٦٦ وبعدة جوائز اخرى فتحت الباب امام كوستا جافراس لكي يقدم فيلمه الشهير « زد » بعد عامين ، كما فتحت الباب امام آخرين امثال ايليو بتري وميشيل دراشي ، والهمت نيران السينما الثورية في اميركا اللاتينية على يد فرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو « ساعة الافران » وغيرهم .. كذا فتح هذا النجاح الباب بعد ذلك لبونتيكورفو لكي يتقدم لاخراج فيلم الاعتراف الثاني « كيمادا » او « احرق » في عام ١٩٧٠ وبعد خمسة اعوام كان مهرجان كبير كمهرجان « كان » الذي دأب على احتقار سينما العالم الثالث ، يمنح جائزته الكبرى للمخرج الجزائري الاخضر حامينا عن فيلمه « وقائع سنين الجمر » .
وها هو ذا الضمير الغربي يعتذر اليوم للارض المحترقة ويختار أحد ابنائها الفلاح الامي قاطع اعواد قصب السكر – ايفاريستو ماركيز – لكي يقوم ببطولة فيلم يحكي قصته هو .. فلاح لم يشاهد السينما في حياته يقوم بدور العبد الجنرال الثوري الفلاح في اداء قل نظيره لدى محترفين كثيرين .
ما سبب حرارة ادائه ؟ المكان يمثل نفسه واصوات اجداده العبيد تئن في اذنيه وان براندو الذي يلعب أمامه ( وهو ممثل متمرد غريب الاطوار شهير بالانطواء ومضايقة الذين يعملون معه ) كان قد قرر بعد مصرع مارتن لوثر كنج زعيم السود الاميركان في ابريل ١٩٦٨ عدم القيام الا بأدوار « ذات مضمون اجتماعي تقدمي » .. ولهذا اعطى براندو لنفسه لدور وساعد الفلاح ايفاريستو طوال الوقت حتى القيام بدوره .
بقي السبب الاخير لنجاح ايفاريستو وهو بونتيكورفو نفسه الذي ورث تقاليد الواقعية الجديدة الايطالية في الاعتماد على الممثلين غير المحترفين سعيا وراء الصدق والاصالة – وها هو ذا قد نجح
الفاروق عبد العزيز
يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل

