التاريخ: ٨ أكتوبر ١٩٨٠
08-10-1980
الكاتب: الفاروق عبد العزيز
الصحيفة: الوطن
خلال الأعوام القليلة القادمة ستحل الذكرى العشرون لافتتاح مكتب المقاطعة العربية . ولا بد بالطبع من الإعداد لاحتفال (!) بهذه الذكرى خاصة ، وان الذكرى ستأخذ دوراً في صف المناسبات المزدحم منذ أكثر من ثلاثين عاما ! نحن نتحدث هنا عن المقاطعة الفنية المتعاونة مع العدو الصهيوني . والاعداد للاحتفال الكبير يستلزم منا ـ بكل صدق ـ ان نطرح سؤالا جوهريا يتعلق بفكرة وعمل المقاطعة ذاتها والسؤال هو : ما الذي حققته المقاطعة وما الذي عجزت عن تحقيقه طوال تاريخها ؟
وتستلزم الاجابة بالطبع اجراء دراسة علمية تفصيلية وافية وامينة عن الدور الذي قامت به المقاطعة ، وهو الامر الذي لا املكه ، ولهذا يبدو من المفيد ان اطرح سؤالا اقل اهمية (؟) يمكن الاجابة عليه من خلال الملاحظة وهو : لماذا تقتصر المقاطعة على اسماء المصنفات ، والشركات والافراد المتعاملين مع العدو الصهيوني ولا تمس الموضوعات التي تخدم الفكرة الصهيونية بشكل مباشر وغير مباشر . لقد شاهدت عشرات العشرات من الاعمال السينمائية ( عبر عشرة اعوام سواء في مهرجانات دولية ، في اكثر مناطق الضوء ) أو في عروض عامة وخاصة كرست مضامينها لخدمة الفكرة الصهيونية على نحو سافر (؟) ومع ذلك فقد عرضت في بلداننا العربية . والاهم من ذلك أن المشاركين فيها لم يقاطعوا ، واذا سألت مسؤولا في مكتب المقاطعة لماذا وفلان وفلان مشتركان في فيلم يدعو للصهيونية اجابك : لم يدرج اسماهما في الكشف !
بيروقراطية ؟ الم يكن لنا ان نصارح انفسنا اذا ما كنا نريد مقاطعة «حقيقية» ام لا ؟ أم اننا ما زلنا أسرى مرحلة « النص نص » ، سؤال ساذج .. أليس كذلك ؟
يا رقابة ! واذا كانت أجهزة الرقابة العربية على المصنفات الفنية تدقق وتمحص في النص وفي العمل النهائي بحثا عن شاردة هنا ، و واردة هناك تتعلق بالمحاذير الرقابية التقليدية : الجنسية والسياسية والدينية ، ثم تستدير الى كشف المقاطعة للتأكد من خلو العمل ( اذا كان أجنبيا ) من اية اسماء مدرجة في الكشف .. اذ كانت تقوم بهذا كله الم يكن الاوان لطرح سؤال ساذج آخر : الا يدخل في اختصاص الرقابة منع الاعمال الهابطة التي تسيء الى الصناعة الفنية على غرار ما تفعله اجهزة الرقابة الصناعية على المنتجات للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية للسلعة المنتجة ؟ لماذا لا تتوقف الرقابة الا عند حدود المضمون دون ان تتخذ موقفا ازاء ما يهدد الصناعة ذاتها من الجذور ؟ ان كثيرين ممن يمارسون الانتاج السينمائي لا علاقة لهم به ، وهم يسيئون أولا ، وبشكل مجرد – الى السلعة وهي الفيلم السينمائي ، الامر الذي يهدد حاضر ومستقبل الصناعة السينمائية برمتها . ام ترانا في انتظار صدور تشريع جديد يحمي الصناعة ويحمي المستهلكين وعقول وأذواق هؤلاء المساكين الذين « يتعاطون » المتعة المغشوشة يوميا ؟ سؤال أكثر سذاجة ، اليس كذلك ؟
القاموس المفيد في شرح مغامرات الجالية الهندية في ربوع الديار الأوروبية والأميركية ! وخذ يا سيدي بمناسبة طرح السؤال الاكثر سذاجة حول الرقابة! عرض التلفزيون ـ كالمعتاد ـ في ظهيرة يوم الجمعة الفائت فيلما ( فيلما ..!! ) هنديا ( من بين ٧٩٧ فيلما تنتجها الهند كل عام ). جاء كالقاموس الجامع والمفسر المفيد والمحيط الابحر في اخبار وطرائف ومغامرات هنود السينما ، فيما وراء البحار . ( ايوب ) الكونت دون مونت كريستو هو أمير الانتقام ، قاهره جبار ، يعبر البحر ولا يبتل، يسوق السيارات والدراجات النارية ، واللنشات ويسبح ويطير كالرجل الخفاش ، ويتزلج على الجليد ويقفز من فوق المرتفعات ويلاكم ويلعب الجودو ويطلق النار ويركب الخيل و … ويجري عدوا ويتلقى طلقات الرصاص ، وكان ينوى مصارعة الثيران ( لولا احتجاج المخرج بان زوجها هبتين !! ) ويلعب ويمرح ويجوب وفاتك بالهنديات الجميلات النادرات ذوات الميني جيب في كل مواسم الازياء وفصول العام ، والاهم من هذا كله فهو مطرب ذو صوت شجي . واقسم انني لم اشاهد الفيلم الا من منتصفه . فما بالك بما قبل فيلمك ، كل شيء في سرعة الرمح (!) .. يخطف فتاة في المساء في باريس وفي الصباح نراه في كان على شاطيء الكوت دازور . ( معاه فلوس زى الرز ) لا تدرى من اين جاء بالمال ولا الى اين يذهب .. وفي النهاية يبرىء المفتش الهادىء ساحته . وبالطبع بوليس اسبانيا وفرنسا واميركا لا يمسه لانه هنا ، وليس هنا في آن واحد .
كل ما يريد المتفرج الهندي الغلبان لنسيان مرارة واقعه سيشاهده في برنامج واحد . ناطحات سحاب ، ومغامرات وقتل وغناء وحب وعنف … لم يكن عجيبا ان تصدر الحكومة الاميركية قرارا بمنع عرض الافلام الهندية في الديار الاميركية حرصا على « ذوق » الناس في بلاد الاقتصاد الحر . شقيق ايوب هو محمود عبد العزيز في فيلم الاحد الماضي « طائر الليل الحزين » – الفيلم ، الذي يصلح نموذجا – خاصة في الحوار وميزانسين الممثلين وفي التصوير والطبع والملابس و … مثالا لافلام السبكة .. جعلني بالفعل اقضي « الليل حزينا » كطائر وحيد يردد لنفسه السؤال الاكثر سذاجة : لم لا تنضم اجهزة الرقابة على المصنفات الفنية الى اجهزة الرقابة الصناعية لحماية عقل وذوق المستهلك المسكين من غش التجار ؟ اقتراح – سؤال لا بأس به ، اليس كذلك ؟

