التاريخ: ١٣ يونيو ١٩٨٠
13-06-1980
الكاتب: الفاروق عبد العزيز
الصحيفة: الوطن
مهرجان كان
اعتادت « الوطن » ان توفر لقرائها تغطية حية ومباشرة من مواقع أهم المهرجانات والاحداث السينمائية العالمية ولكن مرض محررها السينمائي قبيل انعقاد مهرجان « كان » هذا العام حال دون تحقيق ذلك وان لم يحل دون متابعته لأهم الافلام التي تقدمها لكم تباعا .. ( الوطن )
كتب – الفاروق عبد العزيز : هذا العام في كان ! كانها اغنية لا تنتهي مقاطعها ظلت تتردد طيلة ثلاثة وثلاثين عاما تذهب الى كان قبل المهرجان بيوم أو يومين تمشي في الشوارع ، تتأمل الاعلانات تتابع العمال وهم يحملون فوق واجهة الكارلتون اعلانا خشبيا ضخما ، لمن هذا العام تقف في ملل تنتظر وجه الاعلان في العام الماضي « مون ريكر » هذا العام « ابواب الفردوس » فيلم مايكل سيمينو ، « صائد الغزلان » الجديد ، تمضي فوق رصيف الكروازيت ، كان هي كان ، عبق البحر ، الشحاذون ، مطربو الارصفة ، الفيس بريسلي الثاني ، والقليل من زخات المطر .
بدأ العرض! انتهى العرض أعلنت النتائج والكل مسرورا!
كان هو كان المهرجان « الاسماء الكبيرة تأتي الى كان » هكذا كان يردد جيل جاكوب السكرتير العام للمهرجان «هذا العام لدينا فيلليني وكوروساوا ( أو ) كوروساوا وفيلليني !! كان كوروساوا – المخرج الياباني العظيم – قد شارك من قبل بمرة واحدة في كان في عام ١٩٥٤ بفيلمه « لو عرفت الطيور » واليوم ها هو ذا بيننا ، صامويل فولر وجان لوك جودار وماركو بيللو كيو يتنافسون في المسابقة .. كانت هذه هي المرة الاولى لجان لوك جودار في مسابقة كان ، كان يرفض المسابقات دائما ، وكممثل لجيل جديد – أو قل كان جديدا مع مطلع الستينيات – رفض جودار دائما مسابقات كان واعتبرها آنذاك « حلبة سباق خيل بورجوازية » اليوم يتسابق .
انفتح مهرجان هذا العام على سينمات اخرى ، ربما في محاولة منه لاحتوائها قبل ان تسقط في سلة فينيسيا المهرجان العائد في قوة تنافسية لا يستهان بها مع كان العتيد . وكان فينيسيا قد توقف لفترة سبع سنوات استعاد بعدها قواه بعد ان انهكه الصراع بين القوى اليمينية الفاشية وبين القوى الديمقراطية في صفوف النقاد الايطاليين . لكن تبقى حقيقة ان هذه « السينمات الاخرى » ما زالت تعتبر كان قبلة المهرجانات السينمائية العالمية وان مجرد التمتع بحق عرض الفيلم في صالة المهرجان الكبرى – خارج المسابقة او داخلها حتى ولو لم يفز بورقة – يعتبر شرفا عزيز المنال .
من خلال نظرة ، سريعة على برنامج المهرجان الرسمي نشاهد افلاما من استراليا والبرازيل وكندا والهند والفلبين واسبانيا والصين الشعبية ، بعض هذه الافلام يعرض لاسباب لا علاقة لها بالسينما . مثلا فيلم « نزهة يقابل الملك التنين » ( الصين الشعبية ) لا يرقى الى مستوى العرض العام في اي مدينة ناهيك عن مهرجان كان والمسابقة الرسمية ، وقد نشر بالبرنامج تعليقا من المخرجين الثلاثة للفيلم يقول خلال فترة حكم « عصابة الاربعة » لم تزدهر السينما الصينية : ولكن بعد زوال هذا الكابوس بدأت صناعة السينما في بلدنا تزدهر وهي تنتج الان حوالي سبعين فيلما في العام .. الفيلم الفلبيني « جاجوار » بلينو بروكا ، كان السبب الاساسي في اختياره هو ان مخرجه قدم في العام الماضي فيلمه « انسيانج » في برنامج نصف شهر المخرجين ، فبدأنا عنه دليلا وافيا في العام الماضي ، وقد هلل له كثير من النقاد الفرنسيين فاعتبر بروكا اهم مخرجي السينما الفلبينية . لا بأس ان يمارس مهرجان كان بعضا من « الابوة » فهنا حقه ، ولكن « جاجوار » فيلم بائس يشبه اسوأ الافلام العربية والهندية مع لمسة اتقان ولهذا صفر له الجميع في صالة المهرجان الكبرى!
للمرة الاولى داخل المسابقة يعرض فيلم هندي ينتمي الى تيار السينما الهامشية ، ففي الهند – كما هو الحال في كل بلدان العالم – هناك تياران : الاول مجرى واسع يضم السينما الهندية التقليدية التي تشاهدها اسبوعيا في سينما الفردوس ، والثاني مجرى هامشي تجري خلاله سينما هندية مختلفة . سينما ساتياجيت راي ريتان سن في هذا العام تقدم سن بفيلمه «يوم مثل كل الايام » وكانت فرصة عظيمة لسن ان يعرض فيلمه في المهرجان في المسابقة الرسمية على حد قوله « ان مشاركة السينما الهندية غير التقليدية في المهرجان هي بمثابة استقرار لهذين تيار السينما الجديدة في الهند ذاتها »
المشاركة البولندية تمثلت في زانوسي وفيلمه « الثابت » . الفرنسيون يحبون زانوسي و[غير واضح] يبدو انك اذا نجحت في الاشتراك في المسابقة في كان وحدث ان فزت مرة فان هذا يعني ان«مهرجان يحبك » ويتيح لك الفرصة تلو الفرصة ، هذا العام فاز زانوسي بـ ( تقدم فيما بعد حديثا خاصا « بالوطن » معه ) قبيل حفل توزيع الجوائز ، كان سعيدا « اقسم انني لا اعلم من الفائز ولا اعلم ان كنت سافوز ام لا » ولكن وجهه كان واثقا فيما يبدو من الفوز ، ومن شاهد « الثابت » ادرك للوهلة الاولى كيف يمكن ان يفوز هذا الفيلم بجائزة ما ، جرعة من نقد النظام واخرى من نقد سلبيات المواطن البولندي العادي تكفيان ليفوز فيلم من بلدان اوروبا الشرقية في كان .
الطليان !! الطليان دائما مفضلون في كان ، السبب : روابط تاريخية ؟؟ ممثلون ايطاليون او مخرجو اصول ايطالية يعملون في فرنسا ؟؟ ولكن مساهمة الايطاليين في مهرجان كان صارت نوعا من « الصلاة » المستمرة ، الطليان خصصوا هذا العام جناحا هائلا يطل على الكروازيت كتبوا عليه بكل اللغات الحية – بما فيها العربية – عبارات الترحيب بزيارة الجناح الايطالي : تدخل وتلتقي بالسكرتيرة الحسناء ( تقريبا ) فتقول لك ماذا استطيع ان افعل لك ؟ تطلب كذا وكذا من المطبوعات والمعلومات و … تسمع ثم تعطيك رقم تلفون في كذا او كذا لكي تظل تطارد هذا الوكيل او ذاك المتعهد من ال مزراحي الكرام وتخرج خاوي الوفاض !!
لا بد ان يفوز الطليان ، لعامين ماضيين على التوالي فاز الطليان بالنخلة الذهبية عام ١٩٧٧ فاز « الاب السيد » للاخوة تافياني وعام ١٩٧٨ فاز « شجرة القباقيب » لايرمانو اولمي . هذا العام كرم الطليان مرتين !!الاولى عندما فاز الفيلم الايطالي « قفزة في الفراغ» عن طريق ممثليه بجائزة احسن ممثلة ( انوك ايميه ) : واحسن ممثل ( ميشيل بيكولي ) وكلاهما فرنسيان . والثانية عندما فاز « الشرفة » لا يتورى سكولا ( الذي فاز منذ ثلاثة اعوام بجائزة عن « يوم خاص » بجائزة السيناريو والحوار كما فازت كارلا جرافينا احدى ممثلاته بجائزة احسن ممثلة ثانوية مناصفة مع ايفاليا درافيتش اليوغسلافية عن « علاج خاص » .
كان« لوريتنان » الفيلم المجري المشارك رسميا في المسابقة من اخراج مارتا ميستاروش . وهي مخرجة مجيدة بالفعل ولكنها اكتشفت خلال الاعوام القليلة الماضية « وصفة » معينة تجعلها مقبولة ( اقصد افلامها ) في كان وفي غرب اوروبا . وضع مبطنة ( فرنسية غالبا ) بين ممثلات فيلمها … الاهتمام بالاسلوب الفرنسي في المعالجة واضافة بعض اللمسات الناعمة هنا وهناك . مارينا فلادي وانا كارينا واخيرا وليس آخرا ايزابيل اوبير . الاوروبيون الغربيون يحبون ذلك . ولهذا عرفت مارتا ميستاروش في الغرب كأحد اهم المخرجات في المجر . وهذا في اعتقادي هو السبب الاساسي لنجاحها اعلاميا هناك .

