29-09-1977

جريدة السياسة

نقاد السينما ثلاث فئات
مندوب الاعلان
والواهم .. والباحث عن سينما عربية
والحلول.. نقط ضوء في كون اهل الظلام

● عبر خمسين عاما من الممارسة السينمائية ـ تحت مظلة التبعية المفروضة على تركيبة المجتمع العربي ، يصبح التساؤل عن ـ وجود سينما عربية ـ طموحا اكثر منه واقعا مجسدا . ويتبع ذلك الكتابة النقدية وجمهور السينما وما الى ذلك من متفرعات .
اذن الانطلاق من الافتراضيات الرسمية ليس الا خدعة يقع فيها معظم الكتاب المهتمين بوظيفة التعليق على الافلام المعروضة ، والافضل لنقاء الصورة منهجيا الانطلاق من وقائع لا ترضى الافتراضات وان كانت تحاول الاقتراب من الحقيقة .
من هذه المنطلقات فكرتان طرحهما الناقد الفاروق عبد العزيز في مقابلة نشرت في باريس . الاولى تتعلق بالنقاد والثانية بتركيبة جمهور السينما . يقول عن النقاد في العالم العربي انهم ينقسمون الى ثلاث فئات . الاولى ناقد الاعلام الرسمي . وهو يمثل مفهوم السينما كوسيلة للتسلية . وهذا الناقد لا يعدو ان يكون اكثر من مندوب اعلان وهو مرتبط بالاقطاعيات المهيمنة .
أما الناقد من النوع الثاني فهو من انصار مفهوم الفن للفن. وكتاباته تغلب عليها دائما اوهام الموضوعية ونقد الشيء لذاته ونظريات الجمال المستمدة من تراث السينما الغربية.

وهذا النوع محايد او بالاحرى يفضل ان يكون دون وجهة نظر تجاه العلاقات التي تحكم السينما والواقع الذي يعيشه ، وهو يكتب اساسا للصفوة ، وجمهوره جمهور نوادي السينما التقليدية .
يبقى الناقد الثالث الذي ينشد حقا سينما عربية شكلا ومضمونا. وهذا الناقد يتخذ وجهة نظر محددة تجاه التراث السينمائي المستعرب. وهو يشايع كل عمل من شأنه ان يبشر بخلق سينما عربية حقيقية ، هذا هو الناقد الذي يضطر الى اقتطاع جزء من مجهوده الرئيسي في نضالات جانبية ضد اساطين الاعلام الرسمي ، وضد اقطاعيات الانتاج المهيمنة ، وضد تبعية الناقد الاول وسلبية موضوعية الناقد الثاني ، وضد أمية المحيط البشري . انه باختصار يحاول ان يعيد صياغة علاقاته بالواقع المحيط بامته .
● وعن تركيبة الجمهور وطبيعة تلقيه للانتاج السينمائي، يقول الناقد ان من الممكن ان نحل الاستهلاك محل الانتاج بالنسبة للبلدان العربية غير المنتجة للسينما . ثمة اقبال هائل من قبل الجمهور العربي على مشاهدة السينما باعتبارها وسيلة الثقافة الشعبية الرئيسية . ثم انها ارخص انواع المتع ووسائل قتل الفراغ الهائل الذي يعيشه .

وفي ظل حزام الامية والفلسفة السائدة في وسائل الاعلام الرسمي التي تعامل السينما كدليل سياحي، يستحيل ان تخلق جمهورا موجها نحو نقد الواقع .
فسيكولوجية التلقي لدى المشاهد العربي ما تزال خاضعة للاستلاب ، فهو مشاهد ورث عصورا هائلة من التخلف والسيطرة الاجنبية، والامر المحير ان هذا الجمهور نفسه تفاعل تفاعلا هائلا مع قضاياه الوطنية والاجتماعية . في الوقت الذي يقف فيه موقفا سلبيا ازاء نوع الثقافة التي يتلقاها .
لقد نمت هذه السينما المستعربة نوعا من الحلم الكسول والامل المستحيل في مخيلة الجمهور الذي يعاني من الاحباط اليومي واليأس . غير ان المشكلة بالطبع تتعلق بالقهر الاستعماري القديم والجديد، والقهر الطبقي الذي يرزح تحت نيره هذا الجمهور .
● ويبدو ان هاتين النقطتين لا تكتسبان اهميتهما حقا إلا باندراجهما في اطار رؤية نقدية ، وهو ما تشف عنه بعض ملامح التصنيف النقدي لانواع النقاد ، او رؤية الجمهور الذاهل أمام شاشات السينما .
ان اطار هذه الرؤيا اطار كلي بالضرورة ، والسينما كأي نتاج ثقافي آخر ، تلعب الوسائط دورا

كبيرا في التأثير عليه سواء في الماضي او المستقبل .
وما يبدو مطروحا هو نقد جذري لنمط ثقافي سائد في تشكيلة اجتماعية محددة ، هي تشكيلة المجتمعات العربية . نستطيع مثلا ان نجد توازيا بين عدة نواح حياتية يسود فيها هذا النمط من النقاد او الاستهلاك .
فالناقد ـ مندوب الاعلان يقابل الانتهازي السياسي ، والملحن التاجر ، والاقتصادي الباحث عن مكاسب شخصية ، والشاعر اللاهث وراء رواج سلعته .. الخ.
ونمط الاستهلاك والتسلية الذي يسود عالم السينما ، يسود مثله ويوازيه نمط استهلاك المواد الغذائية والثقافية وتضخم قطاع السمسرة والوسطاء في وطن يمتلك امكانيات محبطة للانتاج .
من هنا يتضح الترابط بين الظواهر الثقافية والاجتماعية بشكل يستحيل معه فهم الانحطاط الفني دون معرفة بقية نواحي الانحطاط في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومن هنا تبدو مأساة الحلول المطروحة بمعزل عن الحركة الاجتماعية الباحثة حتى الان عن اشكالها التنظيمية . اذ تبقى هذه الحلول ومضات ضوء في كون آهل بالظلام ، لا تفتقر الى الضوء ولكنها تفتقر الى الجذوة التي تمدها بالضياء .

يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل

[real3dflipbook id=’29’]

 

 

 

Comments are closed.