09-06-1975

المساء

الكاتب: الفاروق عبد العزيز

لقد كان بمقدور ذلك المشاهد الذي جلس يتابع احداث اول فيلم اخرج بعد الثورة – حكايات من الثورة – ١٩٦٠ – توماس اليا – ان يتخيل حجم نضال السينما الكوبية غير الرسمية منذ منتصف الخمسينات .

لقد ولدت السينما الثورية في كوبا في ضوء المشاعل في الليل ورصاص النهار في السييرا . وعندما عاد الباو اسبينوز من روما واختارا منذ عام ١٩٥٦ الانضمام لجيش الثوار ، قام المخرجان الشابان بتشكيل نواة الجماعة السينمائية الثورية الاولى ، التي جعلت من صدور قرار انشاء المعهد بعد ثلاث سنوات أمرا ممكنا . وفي مجال الفن السينمائي توافقت افكار هذه الجماعة مع التطورات التي طرأت على حركة الواقعية الايطالية الجديدة حيث قل الاعتماد على الاستوديو وألغي نظام النجوم والتعامل مع الممثلين غير المحترفين .

وكان على الكوبيين بعد الثورة ان يفكروا في صياغة واضحة لمعادلة الفن – الثورة . ولم يكن الامر سهلا اذ ان الخلط محتمل بين الفن والنزعة الدعائية وبين السينما والجريدة الاخبارية . واضطرت السينما الكوبية منذ البداية الى خوض حرب شاملة ضد الايديولوجية والتقاليد الواقعية الاشتراكية الجامدة ووضعوا بدلا منها صياغة اكثر ديالكتيكية وضعت الفن في اطاره كعملية تاريخية خالية من النقد والمخاوف من عودة الفكر الاستعماري والبورجوازي الذي ظل يشكل الابنية الفكرية في كوبا طيلة عقود طويلة .

لوسيا
بيد ان الاجابة على التساؤلات الخاصة بالمعادلة يمكن أن تكون اكثر وضوحا اذا ما تأملنا نماذج من بعض الافلام الكوبية التي انتجت في الاعوام الاخيرة .

يتناول فيلم – لوسيا – ( ١٩٦٨ ) لهومبرتو سولاس ثلاث فترات من التاريخ الكوبي في شكل ثلاث قصص لثلاث بطلات تحملن نفس الاسم – لوسيا – … واول ما يروعنا في القصة الاولى – ١٨٩٥ – هو صراخ الراهبة المجنونة فرناندينا في وجوهنا : – اللعنة على هؤلاء القوم – ونحن لا نعلم ما هي فرناندينا الا عندما تلتقي بلوسيا وهي فتاة بورجوازية تعيش زمن الصراع المحتوم بين الكوبيين والمستعمرين الاسبان . وللوسيا صديقات لم يعرفن الحب ولهذا فهن يتحدثن بتلذذ واضح عن اغتصاب فرناندينا الراهبة التي ذهبت تبارك ضحايا المعارك…لقد جنت فرناندينا وعندما تبكي لوسيا تتعرف على جوهر احساسها العاطفي .. فهي رقيقة وكلاسيكية وتقع في حب رافائيل الذي يعلن صراحة انه نصف كوبي ونصف اسباني … وتعلم ان لها اخا يقاتل في مزارع البن في صفوف الثوار . وتدرك لوسيا ان الاختيار عسير بين الحب والوطن . وبالطبع فان الفشل هو مآلها : فتفقد اخاها في معركة ، ويهجرها الحبيب الخائن الذي تغتاله بعد ذلك في احد الشوارع . ولكن هل وجدت لوسيا – كوبا نفسها .

في الجزء الثاني – ١٩٣٢ – يطالعنا وجه لوسيا الثانية – بورجوازية تركت عائلتها وانضمت الى رفاق يشكلون جماعة ارهابية تقوم باغتيال الشخصيات السياسية في هذه الفترة المضطربة من تاريخ كوبا . وعندما يسقط الدكتاتور ماتشادو يقوم بديل عنه لا يقل عنه خطرا ويدرك الثوار ومنهم لوسيا ان الطريق طويل . هذا بينما يخدع آخرون .. بل ويفيدون من النظام الجديد .. ولكن العودة دموية : ويستشهد الدو زوج لوسيا التي حملت منه والتي ينتهي بها الجزء الثاني وهي تعبر المنفى مثل كوبا الحبلى بالثورة .

أما الجزء الثالث . الستينات . فيقدم وجها اخر للوسيا – كوبا الجديدة . فالايقاع كوميدي خفيف يعالج من خلاله مشكلات الثورة على ارض الواقع من خلال حكاية بسيطة : لوسيا الفلاحة في المزرعة الجماعية والتي يرفض زوجها الشاب استمرارها في العمل لانه يغار عليها .. وفي مجمع المنتجين يعبر هذا الموقف كوميديا استغلها سولاس ببراعة لكي ينعش ارواحنا بعد جهامة الجزئين الاولين .. وبالطبع فان لوسيا تنتصر على الافكار الرجعية المضادة للعمل .

وقد حرص المخرج على ان يكسب كل جزء حسه تشكيليا خاصا من خلال الاضاءة وحركة الكاميرا .. فالاول يطغى عليه طباع الحفر واستغلال التناقض بين الابيض والاسود . وفي الثاني تصير الاضاءة ناعمة حالمة رومانسية .. وفي الثالث مباشرة وواقعية . اما حركة الكاميرا في الاول فهي حركة فردية مجنونة احيانا .. كلاسيكية احيانا اخرى .. وفي الثاني قلقة وناعمة .. وفي الثالث مقتحمة وانسيابية معا ..

ايام المياه
ويتعرض فيلم ايام المياه « ١٩٧٠ » لمانويل جوميز لحادثة وقعت في كوبا عام ١٩٣٦ حين ظهرت امراة فلاحة « انطونيا » تدعى انها تعتمد على الله والعذراء في مباركة المرضى وشفائهم من امراضهم باستخدام الماء المقدس .. وعندما يذيع صيتها يتوافد الناس عليها باشكالهم المتباينة … الصحفي الذي ينقل هراءها طوال الوقت .. والقواد الذي يستفيد من التجمع .. والتاجر الذي يبيع صور القديسين والعاهرات واللصوص والمؤمنين والمتعصبين .. ويزج بانطونيا في تهمة باطلة بقتل احد المرضى .. ويستغل الاطباء والصيادلة والقسيس – وقد تجمعت مصالحهم – الموقف فينددون بها . وفي المحاكمة يبرز محام يشتغل بالسياسة وينجح في تبرئتها . ولكنه ما يلبث ان يستغل الموقف لصالحه بعد ذلك في الانتخابات ويفوز ويعلن تحريم نشاط القديسة واعتباره مضادا للسلطة – وعندما يهاجمها الجنود لا تستطيع القديسة أن تدفع عن نفسها او عن رفاقها بالماء – الذي لم يعد مقدسا – ولا يبقى سوى فيليب المؤمن الذي ينادى « بندقية .. أعطوني بندقية » لكي يتقدم الثوار للقضاء على الدكتاتورية – والفيلم يدين بهذه الكيفية النضال السلمي في مواجهة بطش القوة من خلال تقديم فني ممتاز افاد فيه جوميز من خلاصة المدارس السينمائية العالمية .

ذكريات التخلف
أما فيلم « ذكريات التخلف » ١٩٦٨ لتوماس اليا فهو واحد من اهم الافلام التي عرف العالم عن طريقها الثورة الكوبية من خلال السينما .. فهو يقدم من خلال سيرة ذاتية لمثقف بورجوازي ظل باقيا بعد الثورة – وبعد رحيل عائلته وزوجته – يفكر في الكيفية التي يمكن بها خلق معادلة جديدة لحياته في ظل النظام الجديد .. وهو يعلم ان زوجته هجرته الى امريكا حيث « المعجون الكولجيت واللبان الشيكليتس » . ولم ير سيرجيو في الناس الا انهم خاوون وهو يبكي الماضي حين كانت هافانا تلقب بباريس الكاريبي . وتتعاقب عليه احداث الثورة .. الغزو الفاشل في خليج الخنازير ، واحداث اكتوبر ١٩٦٢ وازمة الصواريخ ، ويفشل في ان يستخلص دلالات حيوية من سير الاحداث ومن انفعال الجماهير – التي تعودت الجوع – بها .. ان كل شيء يذكره بالتخلف ويتساءل : « تراث التخلف المروع . كيف نهرب منه » . وبالطبع فانه يفشل في الاجابة على السؤال لانه يفكر طوال الوقت بطريقة ذاتية .. لم يستطع ان يجعل انفعاله بالواقع انفعالا عاما : وهو ينتهي بان يردد لنفسه : « انت وحيد .. انت لا تعمل ، في التخلف لا يوجد ادنى استمرار .. ستظل تذكر اشياء عديدة . زوجتك هيه ؟ .. انت لا شيء – انت لا شيء – انت ميت . ان الطاقة الفنية والشعرية في هذا الفيلم – من خلال امتزاج التسجيل بالروائي – تؤكد نجاح الكوبيين في تكوين معادلة – الفن – الثورة . وقد قال اليا ذات مرة في حديث لي معه عند زيارته للقاهرة : « على افلامنا ان تمجد العمل الثوري .. وفي الوقت نفسه تنتقد مسار الثورة » .

ومن خلال فيلمين اخرين ندرك العلاقة بين التقديم التسجيلي للواقع وبين الخط الروائي – ففي فيلم « رجل من مايسينيكو » ١٩٧٣ لمانويل بيريز نرى قصة البيرتو ديلجادو الذي استطاع ان يوقع قوات الثورة المضادة في منطقة اسكامبراي في عام ١٩٦٤ في اكثر من كمين من خلال عمله السري في جيش الثورة – ويكشف الفيلم عن علاقة المخابرات المركزية بالمتمردين واضعا الصورة في اطار اوسع من مجرد التسجيل لشخصية الفردي لالبيرتو لكي يستخلص منه اشارات عامة ..

اما جيرون ١٩٧٣ لمانويل هيريرا فهو وصف تفصيلي لعملية الغزو الفاشل في خليج الخنازير عام ١٩٦١ . وعن طريق اعادة بناء الاحداث من مواد ارشيفية ومن لقطات اعيد تمثيلها تخرج بالكيفية التي قاوم بها الكوبيون الغزو في أول سني الثورة . من خلال هذا النوع من الوعي البارد تكتسب مواقفنا « الشعورية » باحداث الواقع المعاش دون انفعال او هتاف .

يسمى البعض ما حدث في كوبا بالمعجزة الكوبية . وهذا صحيح اذا ما تأملنا قدر الشجاعة والعبقرية والاهتمام الفائق من زاوية نقدية على النحو الذي رأيناه في الافلام الكوبية .. وهي ظاهرة جديرة بالدراسة على أية حال .

فاروق عبد العزيز

 

يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل

[real3dflipbook id=’45’]

 

 

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *