02-02-1976
المساء
منذ ثلاثين عاما عرض فيلم «السوق السوداء» بسينما ستوديو مصر (فى الثالث من ديسمبر ١٩٤٥) فى هذه الفترة كانت السينما المصرية تعيش واحدة من اهم فتراتها لاسباب عديدة منها انها شهدت التطبيق العملي لدستور بدرخان (( السينما )) ١٩٣٦ ممثلا فى الاندفاع التجاري المحموم لاغنياء الحرب فيما يسمى بافلام التسلية وهى افلام زعم البعض انها تنتمي لمدرسة الفن للفن .
يبدو ان كامل التلمساني فى ( ١٩١٥ – ١٩٧٢ ) العضو النشيط بجماعة الفن والحرية كان قد دأب منذ اواخر الثلاثينات على ممارسة الكتابة .. بعد الرسم الذى تفوق فيه مركزا جهده على محاربة انصار الفن للفن . وجاء فيلمه مثالا حقيقيا لصحة وصدق ما كان يكتب . سبق التلمساني في اتجاه الخروج الى ما يمكن تسميته «بالموضوعات القذرة » كمال سليم (( العزيمة )) ١٩٣٩ ثم احمد كامل مرسي (( العامل )) ١٩٤٣ ورغم ان الاول لم يكن جذري الرؤية بينما جرفت الثاني نزعة طوباوية . الا ان كلا العملين كان قد تخطى مرحلة الصالونات الى مرحلة الواقعية الشكلية وجاء فيلم التلمسانى ليقدم في شكل واقعي تماما قصة استغلال تجار السوق السوداء لجماهير الشعب [إبان الحرب] العالمية الثانية . وكان فى هذا اسبق .. ثم المقاومة التي ابداها «حامد» احد سكان الحارة المتعلمين وهى مقاومة تنتهى بانتصار الاهالي ونجاحهم فى اقتحام مخازن التجارة .
والفيلم اليوم يضعنا امام مجموعة من الملاحظات ..
الفيلم اول افلام الواقعية الصحيحة حين يفسر دوافع الفعل لدى كل شخصية – حتى شخصية البطل حامد – تفسيرا ينبع من المعطيات الظاهرة امامنا والتى ينتظمها خط سير الواقع اليومي ممثلا في العلاقات الاقتصادية والانسانية فى الحارة ، كما يكشف الفيلم عن ظروف معاناة الناس حين يربط بينها وبين اثراء التجار الفاحشة فهذا هو السبب وهذه هى النتيجة .
الفيلم يقدم طريقا جديدا للحل لا تعتمد فيه الجماهير على القدر او المصادفة او احسان الباشوات او حناجر المطربين والمطربات بقدر ما تعتمد فيه على السلطة البوليسية القادرة .. انها تعتمد على قدرتها الذاتية وحركتها مع الواقع اليومي .. ولهذا فان الفيلم يتجنب ان يرسم للجماهير صورة المشاركة منذ البداية حتى يتجنب الديماجوجية ولكن وعي الجماهير بمصالحها يتطور بتطور الاحداث فى خط مضاد لهذه المصالح التى تهملها الجماهير اكثر من مرة بسبب التقاليد السائدة عن المروءة والتآخي وقيم الحارة التقليدية .. كما ان حركة حامد لمقاومة التجار لم تكن وليدة لقاء او ارادة ثورية ، بقدر ما جاءت وليدة لصدمته الشخصية – اساسا – التى وجهها له والد خطيبته تاجر السوق السوداء الجديد .
وهكذا يقدم الفيلم صيغة ممكنة ومعاشة للواقعية .
تناول التلمساني قضية حاضرة عاشتها الجماهير المصرية [إبان] الحرب – رغم ان فيلمه محكم الصنع – من مدارس السينما (( الحقيقة والمباشرة )) التي عرفها العالم بوضوح في الخمسينات والستينات حيث تناولها الحاضر بشكل مباشر او قريب من المباشرة ولعل هذا يفسر ضراوة الصراع – الذي هزم فيه التلمساني بالضربة القاضية – الذي كان محتما خوضه ضد سينما اغنياء الحرب ..
ولهذا ايضا تأخر عرض الفيلم وكان في « السوق السوداء » بعد ثلاثين عاما على عرضه الاول – قضية حاضره فى الواقع وفى السينما معا . فتجار السينما واغنياؤها ينتجون اليوم انتاجه فى عام ١٩٤٣ .
مازال فيلم التلمساني وقضيته افلام الاربعينات مع الفارق بين نوع التجار ونشعر بحاجتنا اليوم الى « سوق سوداء » اخر بمنظار السبعينات ..
(صندوق البيانات الفنية للفيلم)
فيلم (( السوق السوداء ))
قصة وسيناريو واخراج : كامل التلمساني
حوار : بيرم التونسي
موسيقى : محمد حسن الشجاعي
تمثيل : عماد حمدي وعقيلة راتب وزكي رستم وعبد الفتاح القصري
انتاج : ستوديو مصر (( ١٩٤٣ ))
العرض الاول ٣ ديسمبر (( ١٩٤٥ )) بسينما استوديو مصر
الفاروق عبد العزيز
يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل
[real3dflipbook id=’36’]

