التاريخ: 08-12-1975

اسم المجلة: المساء

 

أفلامي في داخلي . إنها أنا ، فما حاجتي لمشاهدتها ؟
متابعة نتائج التصوير اليومي ، تفسد احساسي بالايقاع
اهتمامي هو صنع الافلام ، فهي الشيء الوحيد الذي أعرفه ، إنه ليس عملا سهلا انه تقلص عضلي لا أستطيع ، ولا أريد مقاومته .

على طريقة «ساتيريكون فيلليني» و « روما فيلليني » يخرج فيديريكو فيلليني « الساحرة » فيلمه الاخير ( كازانوفا ) والواقع ان فيلليني نفسه – كما صرح في حديث له – لا يدرى سببا واضحا لالحاق اسمه بعناوين افلامه . غير ان الواقع ايضا يقول ان افلام فيلليني كلها هى بمثابة شهادات ورؤى واقعية لمخرج كبير تتميز بقدر متناسب من ذاتية الفنان ازاء موضوعية الظاهرة التى يتناولها . لهذا فان الناس تلحق اسمه عامدة بعناوين افلامه تأكيدا لاعتبارها اساسا رؤية فنان خالق .

ان « الساحر » يبدأ عمله دائما على عكس ما يفعله معظم المخرجين الآخرين الذين ينتقون مادة من افكار لافلامهم في الكتب والمسرحيات . انه يرفض دائما اعتبار مشروع او سيناريو لم يكن من بنات افكاره اساسا صالحا لاخراج فيلم جديد . ونحن نراه يصر دائما على رسم افكاره ورؤاه الغريبة فوق الورق او تجسيمها فى نماذج من البلاستيك وقد تكلف عمل نماذج لمشهد كرنفال فى فينيسيا مع اعادة بناء أمينة لجسر ريالتو نحو نصف مليون دولار فقد اعتاد فيلليني الا يرى افلامه بعد توليفها ، بل انه يفقد الاهتمام بها كلية « انها ـ أى افلامه ـ فى داخلى ، انها انا .. فما حاجتى لمشاهدتها ؟ »

وفيلليني يتعامل دائما بأسلوب خاص مع الزمن . فان الزمن الذى يستغرقه بين حلول الفكرة واكتمالها وبين بدء التصوير الفعلى لا يقل دائما عن عامين . ولعلنا نذكر ان فيلمه « الحياة اللذيذة » قد استهلك عشرة منتجين قبل اتمامه النهائى . هكذا كان الحال مع « كازانوفا » الذى استغرق اعداده « كفكرة » عامين كاملين . وبينما يلاحق سائر المخرجين نتائج التصوير يوميا فان فيلليني يترك هذه المهمة عادة لمصوره قائلا : « متابعة نتائج التصوير اليومى تفسد احساسى بالايقاع » كما انه يصر دائما على طلب راحة اسبوعين فى خلال التصوير « لاعادة ترتيب افكارى » .

ما ان يبدأ فيلليني عمله الخالق حتى يشعر مساعدوه انهم قد صاروا حمولة زائدة ، بل انه قبل بدء تصوير « كازانوفا » تخلى فجأة عن مساعده القديم انييو فلايانو دون ابداء اسباب على الاطلاق . ويبرىء مساعده جير السدورار الاستاذ من تهمة القسوة « فهذا هو شأن الفنانين دائما » ، بل ان الروائى الامريكى جور فيدال الذى اسهم في كتابة السيناريو الاصلي لـ « كازانوفا » يقول المسألة ببساطة ان فيلليني لا يفهم المؤلفين .

وقد انعكست نزوات فيلليني الفنية على اختياره لطاقم الممثلين . التقى بممثلة شابة كانت تأمل دائما فى ان تحظى بدور فى احد افلامه قال لها وقد استبد بها الفرح : « لك تماما الوجه الذى اريده » وفى غمرة ذهولها اضاف « تصلحين لدور امراة حدباء » واصابها الهلع واخذت تتوسل اليه دون امل . ثم مضت . وتساءل فيلليني بعد قليل هل قبلت الدور فقيل انها انصرفت فعلق قائلا : « اخبرتها ببساطة اني لا أحب ليس شخصا مشوها ، ولكنه انسان مضاف اليه شىء آخر . اخبرتها انها ستلعب دورا بالغ الذكاء »

قدم فيلليني عدة تنازلات اثناء تصويره كازانوفا : لم يصر على راحة الاسبوعين ، وسيرى نتائج التصوير ، ولكن مرة كل اسبوع ، كما انه وافق على تصوير فيلمه ناطقا الانجليزية ( سيلعب دور كازانوفا الممثل الكندى دونالد سزرلاند الذى شاهدناه فى فيلم « ماش » من قبل وقد بلغ حجم الاسهام الامريكى فى ميزانية الفيلم ثلاثة ملايين دولار ونصف ) ولعل اكثر الشروط ايلاما ان تطلب من مخرج يمقت الدوبلاج ان يخرج فيلما ناطقا بالانجليزية وبصوت سزرلاند « لم يتعين على ان استخدم صوت سزرلاند ؟ ان كازانوفا لم يكن كنديا بحال .. اليس كذلك ؟ »

ولان فيلليني فنان بالغ الغرابة فقد تردد المنتج البرتو جريمالدي ( منتج «التانجو الاخير فى باريس» ) فى تجهيز ميزانية تبلغ عشرة ملايين دولار لاخراج فيلم عن « شرير » القرن الثامن عشر الشهير كازانوفا وبيد مخرج كفيلليني والواقع ان نجاح اماركورد – « انى اتذكر » اخر افلامه – وهو ما اعتبره النقاد مرحلة جديدة من نضج فيلليني الفنى – هو الذى حفز جريمالدي على الموافقة .

ولان الرجل البدين الساحر فيلليني ذا الخمسة وخمسين عاما غريب الاطوار فقد اصاب سزرلاند بالحيرة التامة . فهو ولا يصدر له تعليمات محددة وانما جعله يملأ غرفة ملابسه بانتيكات من القرن الثامن عشر « مسكين سزرلاند .. لقد اخبرته ان الشىء الوحيد الذى يتعين عليه ان يتذكره حول كازانوفا هو انه كان روث حيوانات .. ولكنى اعتقد اننى ازيده حيرة .. انه لا يشعر اننى جادة فى هذا الامر » ولكن واجهة فيلليني الغريبة تخفى وراءها نظاما فنيا صارما .. ولكن السؤال الان : ألم يفعل هذا ؟ والواقع ان فيلليني يجيب باجابة متناقضة اذا ما جوبه بها بعد قليل انكر صدورها عنه !

غير ان ثمة مفتاحا للغز فيلليني فهو يقول : « لقد ابطل مفعول الاساطير القديمة كما تهاوت ابنية الاديان والامان الذى كانت تبثه ، ولم تعد هذه الابنية تمثل الملجأ الامين للشاردين . غير ان الناس لا يمكنها ان تحيا دون اساطير ، لذا نسعى حثيثا لخلقها كل يوم » ولعل فيلليني يعنى انه يحاول عن طريق الافلام ان يقدم للناس ما يبحثون عنه . وان محاولاته لو بدت مضطربة تشوبها الفوضى احيانا فان على المخرج ان يقول – كما يردد هو دائما – ان الافلام كالناس لابد ان تكون مليئة بالنقائض .

والواقع ان عالم فيلليني المليء بالوهم ممزوجا بالخبز والجنس وقسوة الحياة هو مادة متجانسة لجريمالدي لان يقول : « لابد ان نعامل فيلليني كفنان . اما ان نقبله او نرفضه . فليس من احد غيره يستطيع ان يفعل ما يفعله هو » . كما ان سزرلاند الذى يعمل معه لاول مرة فى جو غريب تماما بدأ يعى ان يردد : « ان انهاء تصوير « كازانوفا » يساوى نوعا من الموت لكم اود لو استمر تصويره للابد » ولكن تصويره لن يستمر للابد ، او سيستمر بالنسبة لفيلليني . لانه لا خيار له فى حياته ، فقد اختارته الافلام ليكون ساحرها : « اهتمامى هو صنع الافلام ، فهى الشىء الوحيد الذى اعرفه انه ليس عملا .. انه تقلص عضلى لا استطيع ولا اريد – مقاومته . »

الفاروق عبد العزيز

 

يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل

[real3dflipbook id=’43’]

 

 

 

Comments are closed.