التاريخ: 09-02-1976
اسم المجلة: المساء
كوبريك الان فى السابعة والاربعين من عمره . ها هو ذا يقدم فيلما من اهم افلام العام يضاف الى رصيده العظيم السابق : « طرق المجد » و « لوليتا » و « سبارتاكوس » و « دكتور سترينجلوف » و « البرتقالة الآلية » و « ٢٠٠١ – اوديسا الفضاء » .
« بارى ليندون » هي قصة مغامر ايرلندى انيق من مغامرى القرن الثامن عشر ، وهى الرواية الاولى للكاتب القرن التاسع عشر العظيم ويليام ماكبيس ثاكرى ، وتعرض الرواية مراحل تطور عبقرية سيلدر لها الازدهار ، ولكن بعد صراع خلاف وعناد ذاتي . ويستعرض كوبريك فى فيلمه الخصائص التى ميزت موهبة ثاكرى : تفرد الرؤية والسيطرة الكاملة على الوسيط الذى يتعامل من خلاله ، ثم شجاعة تكاد ان تقترب من اللامبالاة .
وعلى غرار ما فعل فى « ٢٠٠١ » لم يعتمد كوبريك فى رواية قصته على الكلمات ولكن على الصور . غير ان « بارى ليندون » يظل عملا يفتقر الى هذه الخاصية البصرية التجريبية المهلوسة التى تميز بها فيلم « ٢٠٠١ » الا انه يصوغ « بارى ليندون » على غرار الاعمال الكلاسيكية الكبرى التى ميزت عصر السينما الصامتة .
ومن الواضح ان كوبريك قد اهمل عن عمد استخدام القطع السريع او الزوايا المجنونة ، وهى الامور التى تبهر الكثير من صناع الافلام هذه الايام وقد استغرق سعى كوبريك هذا نحو نوع من السينما الخالصة ثلاثة اعوام من عمره ، واحد عشر مليونا من اموال الاخوان وارنر ، ويقع الفيلم فى ثلاث ساعات واربع دقائق واربع ثوان ، ولا يبدو مع ذلك سهلا يكمن فى ان تطلق فكرة وتدعها تفعل فعلها فى عقول الناس دون ان تقرر ذلك بوضوح فعندما تتحدث عن شىء ما بطريقة مباشرة فان – ببساطة – لن يكون بنفس القوة والفعالية التى يكتسبها هذا الشىء عندما تدع الناس تكتشفه بنفسها ..
من الواضح ان « بارى ليندون » فيلم ازياء ، ولكن بمعنى آخر يختلف عن اية اعمال يمكن وصفها بهذه الصفة التى تثير الاحتقار .
فكثير من الملابس ليست فى الواقع ازياء ، ولكنها « انتيكات » اصيلة كما ان المناظر الداخلية والطبيعية هى حقيقة ايضا . صور كل قدم فى الفيلم فى الاماكن الحقيقية . وقد قصد بها ان تؤدى وظيفة اخرى غير امتاع العين او بهرها . وتدعونا رؤية الماضى – كرؤية كوبريك للمستقبل فى « ٢٠٠١ » – الى الاقتراب والمعايشة لعالم غريب ليس من خلال شخصياته ، ولكن بالحياة معها حتى على المستوى الحسى .
قد يكون بارى « ليندون » ملحمة غريبة ، ولكن من المؤكد انه ملحمة المشكلات الجمالية والفنية والفكرية بين نقطة واخرى « نقلة » وتثير مثل هذه الافلام العديد من المشكلات يسعى كوبريك الى حلها فى اطار فهمه لدور السينما فى العالم المعاصر . وقد اجهد هذا ما يزيد عن مائة وسبعين – زيدوا الى عدة مئات من المساعدين – كانوا ينتقلون من موقع لموقع عبر ايرلندا وانجلترا لمدة ثمانية اشهر ونصف .
ولكن لما اقدم كوبريك على التفكير فى هذا الموضوع ؟
الواقع انه لا يدرى ما الذى جذبه نحو هذا الموضوع : صعود وسقوط وقد ! وبغض النظر عن اعجابه بثاكرى الا انه لا يحاول ان يفسر اختياره « انه شىء ، اشبه بان تشرح لم وقعت فى غرام زوجتك – انه شىء لا معنى له » .
هذا محتمل ولكن فضول كوبريك كان يحوم حول محاولة استكشاف شخصية هى على النقيض منه . ومعلوم ان كوبريك هو من اكثر المخرجين وعيا باعماله ، ولذا فان فرديته وميله الى التكتم وحاجته الى الشعور بالخصوصية قد انبثقت من وعيه المكثف بانصرام الاعوام . انه يرد لو استخدم الزمن « لخلق خيط من الروائع » . ثم لا يعنيه شىء بعد ذلك : المركز الاجتماعى او المال ..
وعلى العكس من هذا يقف بارى الذى ولد فقيرا ، ولكنه لا يخون طموحه الذاتى العقلى او الاخلاقى .. انه يتميز برغبة متواضعة فى ان يرتفع الى مرتبة الجنتلمان ولا يشك ابدا للحظة فى ان من حقه ان يصل الى اعلى درجات النبالة . بل ولا يكترث على الاطلاق بالوسائل التى سيتبعها لتحقيق غايته : ترك الجيش ، لعب القمار ، توقيع عقد زواج دون حب بغرض الحصول على ثروة . اما الزمن فهو لا يعنى شيئا لديه . انه يبذرهما ببذخ المال فى سياق مع المتعة والمجد الذى استيأس من الحصول عليه .
لقد وصف ثاكرى بطله كثيرا وركز على افتقاره للوعى الذاتى . ويعبر كوبريك عن ادراكه هذه النقطة بقوله : « ان اناسا من طراز بارى هم قوم ناجحون ، لانهم ليسوا واضحين . انهم لا يفضحون ذواتهم » وقد استخدم كوبريك الصمت كثيرا – مستعينا بوجه ريان اونيل – ليعبر عن افتقار بطله « اللمعان » . « انه يظل اكثر من طموح يغرق ذاته حتى التيه فى عواطف لا يفهمها تماما » .. ولكن نقطة التعاطف الرئيسية التى ابرزها كوبريك فى بطلة تتركز حول شهامته البدنية وحبه اليائس لطفلته الصغيرة التى كان موتها ذروة الفيلم العاطفية والمأساة التى جذبت بارى الى الهاوية فى النهاية .
والفيلم – كبناء – بالغ البساطة فى روح .. ففى الجزء الاول يعرض لنا كوبريك ما يشبه فيلما تسجيليا لاخلاقيات ودروب القرن الثامن عشر . ويحدث الكثير لبطله بارى فى هذا الجزء – الحب الاول ، العراك الاول ، الجولات الاولى ، واول معركة حربية – غير انه يظل طوال الوقت شخصا فى مقدمة الكادر . غير ان ما يعنى المخرج ايضا هو ان يعرض العالم الذى عاش فيه بارى والذى كان يصبو الى هزيمته .
انه عالم عظيم خاصة للانسان المعاصر ، وخاصة وان كوبريك قد بالغ فى رسم الجو ، الديكور والمدن الصناعية النامية والعمارة الريفية .. ويبدأ الفيلم تفصيليا كما لو كان صورة قريبة لممثل ثم يتحرك الى الخلف ببطء ليكشف لنا عن الجمال البسيط الذى يغلف الطبيعة الريفية والذى يبدو لا مباليا تجاه شىء من خلال اضاءة المشهد قبل ان ينطلق احد بكلمة ، ولعل هناك مثلا مذهلا لما حدث لبارى حين اكتشف حبه الاول بلهو فى الحديقة مع رجل هو كل شىء بينما هو لا شىء – فالاول ناضج وثرى وذو حسب ونسب وانجليزى وضابط فى الجيش . كانت اشعة شمس ما بعد الظهيرة ، الغاربة رقيقة ذاوية كأغنية حب تحتضر فى بطء وتسحب معها ما تبقى من آمال بارى الرومانسية .
وستانلى كوبريك لديه ايمان خلاب لا يتزعزع بانه مهما يكن من حكم الجمهور عندما يبدأ مشاهدة الفيلم فى هذا الشهر ، فانه قد حقق على الاقل مثله الاساسية التى تتمثل فى انه يصور « بالاقتصاد باقصى طاقة جمالية خلاقة ممكنة » وعلاوة على هذا فانه يضيف « ان كل ما بوسعك ان تفعله هو اما ان تضع تساؤلات او تقدم ملاحظات مفعمة بالصدق حول السلوك الانسانى .. ولعل القيمة الاخلاقية الوحيدة لذلك هى الا تكون غير امينة مع ذاتك ومع الاخرين » ..
و « بارى ليندون » يحقق هذا المثال ، تماما ..
الفاروق عبد العزيز
يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل
[real3dflipbook id=’44’]

