التاريخ: ٣ يناير ١٩٨٠
03-01-1980
الصحيفة: الوطن
نحو مزيد من جرائم العصر
الفاروق عبد العزيز
فعل تلفزيون الكويـــــــت ، حسنة ، رائعة مساء الثلاثاء الماضي أرجو أن تتضاعف الى سبعمائة ضعف ، فقد أذاع البرنامج الثاني تمثيلية سهرة فرنسية بعنوان ، جرائم العصر ، حملها على كتفيه الممثل الفرنسي الممتاز هنري فيروجيه . وباختصار تعتبر التمثيلية مثالا ممتازا للتمثيلية التلفزيونية .
شدني اليها الايقاع الذي استند في الاساس الى بطء حركة العجوزين في أيامهما الاخيرة ، شدني الموسيقى التي تنبعث من شاعرية الايام الاخيرة ، شاعرية الغروب والشمس الآفلة ، شدتني رهافة الحس والشعور الحاد بفن المونتاج وضبط الايقاع كعازف أية آلة موسيقية . وشدتني طريقة معالجتهما لموضوع شائك : الجريمة التي يرتكبها الاحداث أو المراهقون دون سبب . لا من أجل السرقة ولا من أجل أي شيء سوى « كنا نتسلى » فيقتلون زوجة في الحادية والستين : تقضي مع زوجها العجوز أيامهما الاخيرة في يسر في باريس . كان من السهل اليسير أن يقع الموضوع في وهدة الميلودراما والمبالغة الانفعالية . ولكنه اختار منهجا ينبع من السلوك الخاص للشخصيات دون ان يملي كاتب التمثيلية عليها ما ينبغي ان تفعله ، والميلودراما هي أسهل الطرق لكسب تعاطف جمهور المشاهدين . ياليتنا نصاب بالعدوى وحسب نظرية تولستوي في ذات الذوق الرفيع فنقدم عملا تلفزيونيا مرهفا وبديعاً وهاما كهذا . فالموضوع الذي يعالجه بالغ الاهمية ويمكن ان يتسلمنا فيه أي مخرج من عندنا « بكورس » وعظ وارشاد . ولكن التمثيلية الفرنسية انسلت بهذا كله في هدوء وسلاسة . مرة اخرى يا ليتنا نصـــــــاب بالعدوى .
مع خالص التحية للعم هيتشكوك !
هكذا قال مل بروكس الكاتــــــب والممثل والمخرج السينمائي في احدث بارودياته ( هجائياته الكوميدية ) ، التي تعرض حاليا بالكويت « ادوار الشديد » . وفيلم بروكس باروديا متقنة الصنع لعدة مشاهد من افلام « الطيور » و « الدومة » و « سايكو » للفقيد العزيز هيتش ، ويمزجها بروكس في اطار من الكوميديا ( الفارس ) التي تتوقع معها وفي كل مشهد او لقطة مفاجأة لم يحسب لها منطقك الخاص حسابا علـــــــى الاطلاق .. في افلام بروكس التــــي تشبه الى حد كبير الكوميديات القديمة ( في عشرات وعشرينيات هذا القرن ) لا ينبغي ان تسأل كيــــف ولماذا والى أين ؟ فالمهم هو ما تراه ، المهم أن تضحك لان الضحك ذاته يستحق ان يكون هدفا لذاته . « الناس زمان كانت تضحك ولا تسأل لماذا نضحك هنا أو هناك . الافلام كانت عاملة زي عجينة الحلاوة الازقة تملي فم رجل بدين جائع ، اضحك والسلام » . معذرة لاستخدام العامية ! ! . فهكذا تحدث بروكس عقب عرض فيلمه « فيلم صامت » منذ اربعة اعــــــوام . الضحك من الكاريكاتير البشري الذي يقدمه امامك مواقف « هابلة » وهايفة ولكنها تضحك كافلام كيسلون وماك سينيت وبعض افلام تشابلن الاولى وبستر كيتون وكــــل افلام لوريل وهاردي تقريباً ، علاوة على أفلام بن تيربن والاخوة ماركس جروسو وهارب وشيكو .. شخصيات كاريكاتورية في موجة ضحك يرفض المنطــــــق . بقي ان اقول ان هجاء الافلام المرعبة أو المتجهمة هو نفسه مثير للضحك الى أبعد الحدود ، فعندما نسمع أن بروكس اخرج فيلما بعنوان « فرانكنشتين الصغير » ستضحك قبل ان تذهب الى السينما . وهكذا يكون بروكس قد حقق هدفه .
مات البطل وانسدل الستار
صدرت اول مجلة سينمائية عربية في مصر في ١٠ مايو عـــــــام ١٩٢٣ باسم « الصور المتحركة » في العدد الثالث منها نقرأ تحت عنوان كبير : « مات البطل وانسدل الستار » ! ونتفاجأ بأن « المقال » هو نعي مجاني للبطل الممثل الاميركـــــــي الشهير آنذاك والاس بيري . « مات البطل انسدل الستار ولن يعود معجبوك ومحبوك وعاشقوك ( وهم ملايين ) يرونك على الستار الفضي أن الستار الذي اهتـــــــز ببطولاتك وانت تضرب هذا وذاك واولئك في ضربة واحدة فتقضي عليهم ، انسدل الستار ولم تعــــد الشاشة تهتز .. » الى آخر المندبة . ومنذ أسابيع في اغسطس ١٩٨٠ نشر كلام لا يختلف عن نعي البطل والاس بيري كثيرا .. عن مــوت رشدي اباظه البطل والرجل . هل كان بطلا ام كان رجلا ام كان فنانا وايهما كان وايهما غلب علـــــى جوانبه الاخرى « لن ينساك معجبوك يا رشدي ايها البطل الرجل الفنان » والخلاصة ان نصف قرن من السينما لم يغير من اساليب تعاملنا مـــــع النجوم ، مازالوا نجوما [غير واضح] يلعبون فوق الستار الفضي فقط ، الذي يهتز لموتهم . نتحدث عنـــــــهـم لو كانوا يمثلون بالفعل حقائق ملموسة نرى فيها قوتنا الضائعة وعزتنـــــــا المفقودة ، مازال النجم لدينا هو النجم وليس الممثل ، كتاب الاعمدة فيما يسمى بالفن السينمائي يكتبون عن رشدي اباظة الذي ظل وسيظـــــل رشدي اباظة في كل ادواره ( الا قليلا ) احساسنا بوجود النجـــــم لا الممثل علاقة تآخ واضحة فـــــي تذوق السينما ، وهو دليل على اننا لا نرى الافلام الا من خلال نجومها وحسب بغض النظر عما يؤدونه من ادوار ، لذلك ايضاً يظل النجـــــــم حبيساً في شخصيته الواقعيـــــــة ويخشى ان يخرج منها لئلا يفقــــــد جمهوره . وهو دليل اخير على المدى الـــذي بلغت عنده سيطرة ما يســـــــمى بالصحافة الفنية في عالمنا العربي ، وهي الصحافة التي ظلت تجسد صورة النجم البطل الذي انسدل عليـــــه الستار طوال نصف قرن من السينما . رحم الله رشدي اباظه ووالاس بيري معاً .
(تعليقات الصور في المقال)
هيتشكوك
رشدي اباظه
ميل بروكس
يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل

