1977
جريدة السياسة
السينما في الكويت .. قضية مثيرة
الأمل السينمائي ، زراعة عضو دخيل في جسد مريض
• في هذا المقال .. يقوم الناقد السينمائي الفاروق عبد العزيز بالرد على كل ما جاء من تعقيبات وردود عن موضوع السينما في البلاد العربية . وبالتالي يتحدث عن الأمل .. الذي وعدنا بالحديث عنه في أول مقابلة له مع « ملحق السياسة » .
ونظرا لأن قضية السينما تعتبر من القضايا المهمة والرئيسية .. فقد تبنى « ملحق السياسة » موضوعها وبحثها بحثا مستفيضا .. ويجيء هذا الحديث خاتمة المطاف .. ونرجو أن نكون قد قمنا بخدمة قرائنا .. فنكون قد أدينا واجبنا •
• المحرر •
•• اشياء اخرى :
ربما كان الدرس الأول الذي تعلمته من فيلسوف هو أن الحلم المطلق الوحيد الذي له وجود في عالم الفلسفة هو أنه لا وجود لحكم مطلق على الاطلاق .. ولعله كان من حسن الطالع هو انني لم أستوعب معنى العبارة كما يوحي به ظاهرها .. فقد وعيت – عبر سلسلة من التجارب – الفارق الدقيق بين الفيزيقا والميتافيزيقا أو بين المحدود واللامحدود .. لكل عالم قوانينه ومنطقه الداخلي الخاص بـه .
تظللنا الكلمات المبهمة وتعبيرات من نوع « المسائل ذات الجذور غير المنظورة » والامور التي يمكن سبر أغوارها .. بمثل ما تظللنا الشعارات الطنانة والتعابير الجدباء التي تبدأ عادة بـ « ان » و « لقد » .
ان التعميم واطلاق المسائل على عماها هي في النهاية محدده هو خيانة مشينة لثقافة هذه الأمة « وبالمناسبة فان الجملة السابقة تبدأ بـ ( أن ) والقافية تبدأ بـ «لقد» ولكن لا أزعم بحال انها شعاران» ولقد شهدت الكثير من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات كما قرأت مئات المقالات حول المسألة الثقافية العربية ولكن للاسف لم أظفر – في أغلب الاحيان – الا بالرثاء لآلامها . لماذا ؟ لان اللغة المستخدمة لا تمت للقضية المثارة بنسب . فالخلط بين لغة المطلق ولغة المحدود .
ما علينا . لست ادري ما اذا كانت هذه المقدمة ذات فائدة تذكر في موضوعنا الان أم انها لا تساوي شروى نقير . ولكن .. هـذه شجون لا يمكن سبر أغوارها على أية حال .
•• القضية
أثار حواري مع « ملحق السياسة » الذي اداره الزميل مروان حزين نقاشا وجدلا بعضه نشر وجله كان شفهيا . وبما انه لم يكن الحوار الذي أنهى كل الحوارات فقد اجبني هذه الردود واعادتني الى الاحساس بعالم كاد أن يندثر ..
ان قضية السينما تمس الجميع . وهي تماما كالجسد الكبير في عين النملة .. كبير وشامل وربما سد الفراغ ولكنه في النهاية محدود بخط خارجي واضح يرسم معالمه . لقد هزني من الاعماق ادراك الفنان التشكيلي أحمد أحمد العميق للخط الدقيق الذي يصل بين قضية السينما وقضية التنوير الثقافي العربي . ولعل مسحة حلمة تظلل كلامه . غير انه لا يلتفت ابدا الى خارج حدود الجسد الكبير .
ان هناك منتهى لقضية السينما العربية . وان كانت حدودها التي تبدأ منها هي مباشرة الا انها تسد وتتصل عوالم متداخلة كبناء عضوي .. عوالم السياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والفنون الاخرى .. ويشكو الفنان من ان الانسان العربي فنانا كان او اديبا لا ينتمي اشياء عاقلا الى (قضايا) الثقافه على عموميتها بل يبقى حبيسا في دائرة مفرغة غير موصلة يعمرها من القضايا .
ويبدو في هذه القامة شبيهة بالقول بان صراعنا مع اسرائيل هو في الاساس صراع حضاري . نعم هذا صحيح تماما – وهو كلام للفلاسفة – ولكن هذا التعميم لا ينبغي له ان يبعدنا عن مصطلحات الواقع وتفاصيله التي تحتاج الى الجهد التكتيكي الهائل الذي يمكنه ان يعجل بحسم هذا الصراع لصالحنا في وقت قريب .
وهكذا تكون قضية السينما قضية عامة محددة . يبدأ الحل بها من اعادة تشكيل الواقع المسيطر على كافة جوانب الحياة تماما كما يبدأ الحل بها من توافر مجموعة متكاملة من صانعيها المؤمنين بجدوى وامكانية خلق سينما لها ارتباط بهذا الواقع .. ارتباط جدلي .. متحرك ومعطاء .
ان النمط السينمائي السائد في عالمنا العربي هو نمط السينما الهوليودية . اعني ان المثل الاعلى او هذا لا يعني بالطبع ان ما ينتج يحاكي هذا المثل بل في كل الاحيان يفشل دون بلوغه وهذه تراجيديا اخرى ، وقد تحدثت بايجاز عنه في مقال سابق لـ «ملحق السياسة » عن التجربة الجزائرية في محاولة تخطي اثاره . وهذا النمط يفترض ان المشاهد العربي قد دخل وبجشعه مرحلة الالية الكاملة وانه يخطى المجتمع الصناعي الى مجتمع ما بعد الصناعة وانه بالتالي مشاهد يحق له الاستهلاك . ومن ثم فان المسائل التي يعالجها هذا النمط لا تخرج عن كونها اشياء للاستهلاك وهذا هو لب القضية أو بالتحديد هذا وجه . والوجه الاخر هو ما يمكن التعبير عنه بان قضية السينما العربية هي قضية حضارية . لا بد من وجود الوجهين فتكون العملة صالحة للتداول او ليكون الامر منطقيا وعاديا بما يكفي ومحددا في نفس الوقت بما يكفي .
ولكن السيد حافظ الناقد المسرحي يريد تعقيدا اكبر وهو يطالب في تعقيب ناري بان نضع النقط فوق الحروف وان نكيل القضية . وهو يوضح رؤيته لقضية السينما العربية بما يزيد على ما قلته . كما ان استاذنا الدكتور حسين مؤنس يشير في خواطره المعنونة « كلمة طيبة » والتي ينشرها في (القبس) الى ان جيلنا قد اثمر اشياء مثل – عندما يسقط الجسد ـ العذاب ايرادة ـ امراة من زجاج ـ الحب تحت العشرين ـ حكاية نصف اسمها مرمز ـ .. هكذا تمثل قضية السينما العربية نصيب من الاهتمام يقارب حجم خطورتها الفعلية .
ولست في معرض الحديث عن خواطر الدكتور مؤنس فيما يتعلق بازمة جيل كامل ولكني اريد ان أؤكد على ما جاء في تعقيب السيد حافظ على حديثي . انه مطلب يتحدث نوعية تجار الحروب والانتاج السينمائي وردي هو ان الغاء ضرب السينمات هم انفسهم ابناء غيبوبة اغنياء حرب الاربعينات . نفس موضوعات – أو حشرجات – الافلام بل نفس العناوين وقد صرح لي قبل فترة مخرج ومنتج كبير مخضرم عاش التجربتين – ويدعوني بالناقد الايديولوجي – بانه يعيد نفس المواضيع ويكرر نفس المواقف والتبدل يفهم ، ولان صوت العقل لا يمكن ان يصل الى اجهزة الاعلام لان الاقزام – بتعبير السيد حافظ – يبرحون هنا وهناك فقد ظل هذا – العظيم – موجودا .
•• عن الامل
نبدأ بسؤال عن السينما الكويتية. أين هي ؟؟؟ اذن لنقل السينما في الكويت . هذه اذن قضية مختلفة تشرئب بالعمل وبحديثي ايضا وقد دفعني الى اعداد دراسة اوشك على الفراغ منها ، ان للكويت باعا في المسرح في الفن التشكيلي في الكتابات الادبية ولكنها لا تحقق نفس التقدم في السينما .لا تقل لي هذا خالد الصديق يحقق انتصارات بفيلميه « بس يا بحر » و « عرس الزين » .. مهدي ! المحصلة النهائية نتاج مجهود فردي . لعمل ابداعي دفعا ومساندة من هنا او من هناك ولكن هذا لا يعني محصلتنا . ولكن اقل يكفي فيلم او فيلمان وبضعة افلام قصيرة على مدى خمسة عشر عاما لكي تقول بان هناك مناخا سينمائيا في الكويت . ان الفن بالطبع – اي فن – لا يمكن استيراده مع انه من الممكن – مع التجاوز الكامل – تصديره . ولكن يبقى اصالة بوجهها – وجه الفنان او الموهبة ووجه الدعم المالي – محل علامة استفهام . هناك مجموعة من الاشتراطات الواجب توافرها لكي يمكن خلق سينما في بلد من البلدان والامر المثير هو توافر معظمها مثل الدعم المالي والصحافة الفنية والمواهب في بلد كالكويت ومع ذلك حلم مؤجل بعد ما يسمى سينما كويتية . ان المسألة بحاجة الى دراسة ستنشرها قريبا .
•• ينبت في كلية من الامل
ان السينمائيين والنقاد التقدميين العرب لا ينطلقون في فراغ . ان هناك املا بالتأكيد . ولا يستمد هذا الامل من بضعة افلام هنا وهناك تجاوزت حدود الواقع السينمائي المشاهد العربي ولكنه يستمد من وضوح الرؤية لدى هؤلاء السينمائيين والنقاد . نوادي السينما واتحادات النقاد والتجمعات الثقافية الجادة والعاملة هي الامل . انها تشكل القوة الضاغطة من اجل ابراز الواقع الذي يعيشه المشاهد العربي . ان اللغة التي يستخدمها حميد بناني وسهيل بن بركه وعبده عشوبه في المغرب والطاهر الشريعه وخميس الخياطي في تونس ومحمد ابعاد في الجزائر وكامل مرسي ، وسمير فريد وفتحي فرج وكامل القليوبي وكمال رمزي وهاشم النحاس وكاتب هذه السطور في مصر وقصي الزبيدي ومروان مؤذن وعمر امير الاي في سوريه ووليد شميط وعدنان مدانات في لبنان ومصطفى ابو علي في فلسطين وقاسم حول في العراق والصديق والمحلان في الكويت بالاضافة الى كتابات مارسيل مارتان وجي هنيبيل وكلود ميشيل كلوني ومجموعة بلدان اصحاب – لا بوزيتيف – وسيرج لوبيرون وغيرهم في فرنسا واوروبا .. ان الاختلافات في الرأي بين كل هذه المجموعات لا تعني الا ثراء في العطاء على درب واحد نصير حركة السينما العربية الجديدة بلغة الواقع الذي نثبت منه . انهم يحاولون تصوير ابطال جدد غير الابطال الذين خلقتهم سينما لم يكن هناك أمل فيها منذ وجدت .
ان السينما العربية الجديدة التي نحمل الامل معها لن توجد في العدم كما ان الواقع المسيطر بتفاصيلها العداء تماما كما يشدها التراث السينمائي المتخلف الى الارض الميتة التي يعيش فيها . انها ليست قضية السينمائيين وحدهم وليست قضية المتلقين وحدهم ولا المثقفين وحدهم انه جسم يسد الفراغ ولكنه في النهاية محدد بخط خارجي يمكن رسم معالمه وتشريح مكوناته .
الفاروق عبد العزيز
يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل
[real3dflipbook id=’32’]

