13-01-1976
المساء
جولة في معرض :
فاروق بسيوني ومحمود أبو العز
كان لابد ان اسقط من حسابي مجموع الكلمات (( المتوهجة )) التي خطها الزميل فاروق بسيوني في كتالوج المعرض (( عن نفسه او عن زميله )) لماذا ؟
لانها كلمات تغوص في المطلق تلح في بحور التجربة .. لست ادري ان كان متأثرا بمفردات الشعر الجديد التي شاعت مع اوائل الخمسينات وتوهجت في الستينات ام لا . ولكن ما معنى « ان عالمي الذي ابحث عنه هو الانسان .. ؟
ان كل فناني وسياسيي الارض قالوا انهم يبحثون عن الانسان ..
ولكن بعيدا عن الكتالوج دعنا نتأمل الاعمال المعروضة .
يهتم فاروق كثيرا بالقيم التشكيلية بمعنى ان اعماله في هذا المعرض ليست مجردة تماما او مختزلة العناصر الى وحداتها الاولية فنحن نرى وجها او وجوها مكممة او ممسوحة الافواه .. تطل علينا من مقدمة الصورة .. انها وجوه قد لا نعرفها ولكنها بالضرورة وجوه انسانية يسودها قاسم مشترك واحد يمكن تلخيصه بانه : « سمة القهر » .
فثمة تحولات تجري امامنا ولكنها تحولات تحت السطح ، تتمثل جميعها في ان العيون جاحظة وبلا افواه وتكاد تسمع صوت دقات ، باطنية عنيفة « كيف جسم فاروق هذا في لوحاته ؟ » اعنى ما هو المعادل التشكيلي الذي قدم دراسته لسيكلوجية القهر من خلاله ؟
لقد تعامل اولا احترام شديد ـ اقدره عليه ـ مع بعدين فقط من ابعاد الصورة ـ واهمل بعدها الثالث. وهذه اولى خطوات العرض المجعد او العرضي لاثارة الذهن وتكثيف الادراك الشعورى واللاشعورى امام العمل .. لان البعدين دائما « يلفظان » الاشكال والكيانات ويحيلانها الى اشياء مسطحة « تشكيليا بالطبع »
ثم حاول فاروق ثانيا ان يخلق علاقة بين الوجه الانساني او القناع الحيواني (( وهما وجهان لعملة واحدة )) وبين ابسط الاشكال المنظمة التي عرفها الانسان وهي الدائرة والمستطيل والمثلث ..
وحاول عبر مجموعة اللوحات ان يخلق علاقة ديناميكية كلية .
وحاول ثالثا ان يعادل بين الرمز ومدلوله فاوجد ما يسمى بالغموض الشرعي في العمل ، وهو الغموض الذي يوازن بين الرمز في الفن ومعادلة في الحياة . ومهما قيل من ان المرأة هي احد اسرار الديانات المقدسة الا ان المرأة لا تظل هي المرأة في لوحاته ، فنحن نكاد نراها مخلوقا محايدا فيه السحنة الانسانية واضحة .. ثم هو يحاول اخيرا ان يبرهن على حساسيته تجاه لونه الخاص « فلكل فنان (لون) » مستشهدين بعبارة بيكاسو كنت اتنزه في حدائق التويلري فتشبعت بالاخضر » ويبدو انه اللون الاخضر ومشتقاته ، كما ان له حسا خاصا تجاه الرمادي الذي يستخدمه لخدمة الضوء الساقط على امرأته محددا الحجم الحقيقي والانفعالي لها .
غير ان فاروق يحقق حين يحاول في مجموعة اخرى ان يحدد مضمون العمل بصورة زاعقة من خلال حركات وجه المرأة التقلصية او المنبسطة ها هنا يتعرى الرمز وتحيل التوازن بينه وبين الحياة فينقلب الفن الى صورة توضيحية .
ولكنه في النهاية .. ومن خلال محتوى التجربة كلها ـ ينجح في محاولته لتقديم دراسة لسيكلوجية القهر .
لست ادري لم اغرق الفنان ابو العزم لوحاته بطوفان من المسميات الادبية ولماذا ولست ادري الى اي مدى يمكن الاعتماد عليها في تفسير الاعمال المعروضة .
وبغض النظر عن المسميات يتبقى لدينا انطباع بعد مشاهدة اعماله ، وهو انها تمتلىء بالرموز التي يسهل فضها او رفعها من مكانها واحلالها باخرى .
كما بدا انه ما يزال في مرحلة التمثل لاصداء الفن الحديث .
وهناك عملان من اعماله نشعر امامهما باحترام مؤكد ، خاصة عندما نتلمس حسه اللوني في « اشخاص وطيور » حيث يتعامل بكفاءة مع فصيلة واحدة من فصائل اللون ويحاول قدر امكانه ان يخلق علاقات نغمية بداخلها كما ان تقسيما واضحا في لوحته « الانسان » يدفعنا الى تقدير محاولته ان اللوحة كلها تفيض ببرودة غريبة تعطي احساسا بالسبات الابدي .
فاروق عبد العزيز
يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل
[real3dflipbook id=’48’]

