التاريخ: 06-01-1976

اسم المجلة: المساء

حول النقد والنقاد

عقد « جيمس وكارين ووكر » من ستوديو انترناشيونال عدة لقاءات مع اثنتين من نقاد الفن في نيويورك هما « روبرتا سميث» و« لوسى ليبارد » والمقال التالى يضم بعض الاسئلة والقضايا التى اثيرت فى هذه اللقاءات .

 هل يمكن القول ان اكثر اللحظات امتلاء وسخونة فى الكتابة هى تلك التى يصل فيها الناقد لمرحلة الحكم ؟

هذا صحيح الى حد ما لسبب بسيط هو انها لحظات بالغة الشفافية . انك تشعر بوطأة المسئولية عندما تعلل جودة هذا العمل مثلا . ان تفكيرى يصل الى ذروته وقتها . عندها تتعقد المسألة . فكل من يحتوى على ثغرات فى بنائه ولا يوجد هناك شىء مبرأ منها تماما . كما ان هناك حدودا ويتصل هذا بالغرض من الكتابة بشكل ما فانى افضل مثلا ان تبتعد كتاباتى بقدر الامكان عن التبسيط الشهير « هذا جيد وهذا رديء » لانى اعتقد ان هذا عمل يخلو من « الكرم » ! ولذا فانى اختار الاعتدال فى كتاباتى حيث يمكن للناس ان يروا اننى ادرس العمل امامهم . اما بشان ثغرات العمل فان لكل فنان مستوى معينا من القصد والجدية وبالتالى فان له مواطن ضعفه وقوته . وهذا كله يجب ان يؤخذ فى الاعتبار وهذا صعب بالطبع . اجد نفسى مشتعلة بالغضب ازاء عمل ما الى درجة اننى احكم عليه من زاوية اخلاقية .

هل يحدث احيانا ان يحل مضمون اللوحة محل تقديرك الذوقى لها ؟

لا .. ان الشيء الوحيد الذى يمكنه ان يحل محل الذوق العام او الذوق المفروض عند تقدير العمل هو ذوقى الشخصى . اننى استطيع ان اقرر دون تردد اننى اعرف ما احب ولكن لابد ان اقرر ايضا اننى اعلم شيئا عن ذلك الذى احبه . ان ذلك كله يتم اكتشافه من خلال تجربة طويلة نربى الذوق انا اعلم ذوقى الخاص جيدا فى الوقت الذى احاول ان اجنبه نقدى سلطانه . افاجىء نفسى احيانا بحب عمل « لم يعتده ذوقى » غير انى قد نجحت فى معظم الاحيان فى التوفيق بين ذوقى الخاص وبين موضوعية العنصر . ومن الضرورى ان تظل واعيا ان هذا هو مكونات العملية الرئيسية لكى نتجنب الاعتقاد بان الذوق الشخصى يعادل الذوق العام الجيد . والمشكلة الحقيقية هى : « كيف ومن اين تبدأ » ؟

 هل يتعين على الفنان ان يكون محايدا .. اعنى هل يجب عليه ان يحاول تنظير الفن ؟

يمثل التنظير جزءا كبيرا من نشاط النقاد فى بعض وجوهه . ولست اعنى هذا لتثبيت موطىء قدم الناقد ولكننى اعتقد انه يتعين على المرء ان يسلم نفسه كلية الى فكرة مناقشة فيما يكتب عن الفن لكى يحول دون وقوفه على مسافة بعيدة « فوقية » متعالية يفرغ عندها نظريات عن الفن فى الهواء . لقد دأبت على ان اردد انه لا يوجد شىء اسمه الموضوعية الحقيقية والكاملة – غير ان الذاتية التى لا يمكن تجنب اثارها تتطلب – او هكذا اتصورها – دفعة واستحثاثا للامام نحو تحقيق قدر من الموضوعية لكى يتجنب المرء الانحراف الى مزالق الهوى .. وبالتالى فانى لا اشعر انى محايدة كلية ولكنى احرص على اختيار الفنان الذى ساكتب عنه لا اقوم بالتنظير كثيرا لانى لا اجد نفسى كفؤا له . اغرم كثيرا بالافكار بالكيفية التى تحل بها وكيف تحلق ثم ترسو على بعض مراكز العمل وداخل شبكته الجمالية وربما خلقت ثانية لتتحول الى ظاهرة بصرية جديدة مختلة كلية . انى اتعرف على هذه الافكار من خلال تجربتى بالاضافة الى مصادر المعلومات التى يمكننا ارتيادها ( من الفنانين فى الغالب ) ان النظريات لابد لها من ان تضاف الى شىء اخر مثل النطق وهذا امر خطير . والمؤكد ان النظريات لها سحرها ولكن سحرا اخر لا يضارع يشع من الفن ومن استجابات المشاهدين .

 ما الذى ينقص النقد الفنى اليوم فى رأيك ؟

اود لو وضعت يدى على هذه العوامل كاملة . ولكنى اشعر ان هناك الكثير من النقد الذى يتصف بالحرفية وتعوزه الحرارة والحيوية ، يبدو مبالغا فى حذره . حرصه على اكاديميته ونظريته . وفى الوجه الاخر هناك نقد مشتعل بالحرارة ولكن يصعب على ان اخذه مأخذ الجد حتى لو كنت متعاطفة مع المضمون . ان « تيار مجرى الوعى » فى النقد لا يمكن اعتباره حلا للنقد بصفة عامة .. انه حل شخصى يرتبط برباط وثيق بمساعى الخاصة فى كتابة الرواية والنقد فى نفس الوقت – لدى ميل لمزج كلا النوعين فى الوقت الذى اعى فيه ان الكتابة يجب ان تكون اكثر فنية من النقد . ولعل النقد الذى ينبغى ان يكون متضمنا افضل نقد « للجميع » هو ذلك للمعلومات وناقلا اليها فى نفس الوقت للقارىء وهذا النوع يقدم معلومات جديدة وفريدة ومفيدة بالتالى للمتخصص وللجمهور العام ايضا .

وبالطبع فان مقالات كهذه لن تكون مسهبة لكى يتم توزيعها على نطاق واسع .. ان النقد لابد له ان يكون مقروءا كعمل بعد مشاهدة اللوحة او قطعة النحت ذاتها . وبالطبع فان هذا لا يمكن ان يتحقق ما لم تتحقق لامركزية الفن حينما يستطيع الناس فى كل مكان فى العالم مشاهدة الاعمال التى يستطيعون سوى القراءة عنها فى بلادهم . كما ان النقد الذى يتكون بناؤه من النظرية والحكم يوجد دائما بمعزل عن العمل الفنى ذاته مسلما نفسه للموقف الجمالى دون تخطيه الى نظرية شاملة للفن ، ان هذا النقد لا نقرأه سوى فئة قليلة من القراء الذين شاهدوا الاعمال التى تجرى مناقشتها . وبينما يعتبر هذا النقد « فاكهة » او شيئا من هذا القبيل فانه سيعجز حتما عن اقامة جسور بين الجمهور والفن والفنان ، وهذا من صميم عمل النقد وجوهر وظيفة الحقيقة . والمتأكد ان المطلوب ( وافضل ما هنالك ) تتمثل فى نقد مكتوب بجمال يستشعره القارىء من خلال خليط من هذا كله . وهذا وحده سوف يأسر خيال كل من يقرأه سواء عشقه او اتفق معه او اختلف .

الفاروق عبد العزيز

يرجى الانتظار 5-10 ثواني للتحميل

[real3dflipbook id=’40’]

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *